بينما ينشغل العدو بحربه على الدين والفطرة بكل قوة وبمختلف الوسائل، تنشغل الأمة بقائمة من المعارك الجانبية التي لا تكاد تنتهي، ألهاها التناحر فيما بينها وانشغلت عن عدوها الحقيقي حتى نسيته، ويذكرني هذا بحال الأندلس عندما تفككت إلى طوائف متناحرة حتى ضعفت وصارت لقمة سائغة للعدو المتربص بها على غفلة منها.
نحن اليوم في زمن عاد الإسلام فيه غريبًا كما بدأ، وجاءت “فتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، ويبيع دينه بعرض من الدنيا”!
زمن العولمة حيث تتغير فيه المفاهيم والأخلاقيات بوتيرة متسارعة، زمن تقلبت فيه القيم والمبادئ تقلب الليل والنهار، أضحت فيه الفطرة غربة والشذوذ مفخرة، وتعاهد أهل الضلال على نشر ضلالهم؛ وعلى إثر ذلك توجب علينا أن نعمل بشكل مضاد، أن نتسلح بالحق في مواجهة الباطل، أن نعمل على نشر الوعي ولا نتقاعس ولا نكون أقل عملًا من ناشري الجهل، أن نعمل على نهضة الأمة بمشاريع ذات بصمة وتأثير على هذا الجيل والأجيال القادمة.
برأيي أن معالجة تحديات هذا القرن تبدأ أولًا بالاعتصام بحبل الله المتين (واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا)، في ظل كل هذه الفتن “عليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية”، متحدين نقف ومتفرقين نسقط.
وثانيًا محاربة الأفكار الشاذة والمنحلة والشبهات بالالتزام بالأمر الرباني (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر)، وأيضًا العمل بالأمر النبوي “من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان”.
وثالثًا علينا أن نعي أننا مأمورون بالإصلاح، بدءًا من أنفسنا وأهل بيتنا والمجتمع من حولنا، وأن نعي أن مسؤولية الوالدين لا تقتصر على توفير الغذاء والدواء والملبس لأبناءهم ولكن الأهم من ذلك كله هو غرس القيم الصالحة ووقايتهم من طوفان الفتن بتعليمهم العلم النافع وإرشادهم لما هو صواب ويجب فعله وما هو خطأ ويجب اجتنابه.
وأخيرًا علينا أن نعمل بجد على مشاريع كبرى تهدف إلى ترسيخ القيم والمبادئ الإسلامية والتحذير من الأفكار الدخيلة، فعلى سبيل المثال مشروع (مركز رواسخ) الذي ينتج مقالات وكتب وفيديوهات يرد فيها على الشبهات والأفكار الضالة بطريقة احترافية لهو خير مثال على المشاريع الهدافة التي قل ما تجد مثيلًا لها، كذلك مشروع (مركز تكوين للدراسات والأبحاث) الذي قدم لنا كتبًا تعنى بترسيخ الثوابت والرد على الإلحاد وما يأتي معها من أفكار هدامة كما أنها أسست البرنامج التعليمي (صناعة المحاور) والذي يهدف إلى تعزيز اليقين بصحة الإسلام وثوابت الشريعة وينمي مهارات الحوار للرد على الشبهات المثارة ضد الإسلام، بالإضافة إلى (مركز براهين) والتي تعمل على ترجمة وتأليف المواد اللازمة للباحثين في مجال نقد الإلحاد واللادينية والقضايا العلمية والفلسفية ذات الصلة، ولا ننسى (مركز دلائل) وهو مركز يهتم بالتنمية الإيمانية وتعزيز المناعة الفكرية، ومن المشاريع الجميلة مبادرة (فطرة) التي تعمل لمناهضة الشذوذ الجنسي الذي صار يروج له بشدة في شتى المجالات الحياتية، وختامًا مشروع (واعي) جنبًا إلى جنب مع (عفة لتعزيز الفضيلة) اللذان يعملان على تعزيز القيم ومواجهة الإباحية.
ما يميز هذه المشاريع هو تركيزهم على حل المشكلات الفكرية والدينية التي تمس واقع شباب أمتنا، وتقديم المحتوى الهادف بأسلوب عصري احترافي، ويبقى الأمل في شباب الأمة على أن يسدوا الثغرات التي لم تسدها تلك المشاريع الإبداعية.
