المكارثية.. أنت عميل!

مصدر الصورة Smithsonian Magazine

مع انطلاق الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي من جهة والولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى، والذي امتد لستة وأربعين سنة من أجل الهيمنة على دول العالم تحت مسمى الدولة العظمى، قامت الدولتان بزيادة التسلح العسكري، وزيادة التحالفات وأحينًا الدخول في حروب هنا وهناك من أجل فرض السيطرة.

في خِضم هذه التنافسية نشأ عداء واضح بين السوفيت والولايات المتحدة الأمريكية، خاصة مع تبادل الاتهامات بالتجسس بين الدولتين، ظهر هذا العداء جليًا في الإطار السياسي والصحافي والأدبي والفني أيضًا، فقد كانت الأفلام تركز بشكل جلي على موضوع الجاسوسية في الحرب الباردة.

الحشو الإعلامي وتأثيره على الرأي العام

في نهايات الأربعينات من القرن العشرين تأثر الناس بهذا الكم الهائل من التوجيه الإعلامي (البروباغاندا)، ومن هنا انطلقت موجة هستيرية بين مواطني الدولتين، فكان كل أمريكي جاسوس في عين السوفيتي، وكل سوفيتي جاسوس في عين الأمريكي.

لم يتوقف الأمر هناك، فقد ازدادت هذه الموجة الهستيرية بشكل مخيف، فبدأ الناس يصنفون بني جلدتهم، فهذا شيوعي وذاك متعاطف مع السوفيت والآخر عميل.

اتهامات بلا أدلة

في تلك الأثناء اشتهر جوزيف مكارثي (Joseph Mccarthy)، وهو خريج محاماة وأصغر قاضٍ في بلدته وقد شارك في الحرب العالمية الثانية مع مشاة الجيش الأمريكي، وهو نائب جمهوري في الكونغرس. سبب بروزه في هذه الفترة يرجع إلى ادعاءه وجود عدد كبير من العملاء والشيوعيين الجواسيس للسوفيت يعملون في أماكن حساسة في الحكومة الأمريكية، فتناقلت الصحف أقواله ونشرتها دون التثبت من صحة الخبر، فالسبق الصحفي أهم من مصداقية الخبر!

لجنة مكارثي لملاحقة المتهمين ومساءلتهم

طالت الاتهامات أعضاء في الجيش ووزارة الخارجية ومجموعة من الفنانين والعلماء والأدباء.. ووضعت لجنة مكارثي لملاحقة المتهمين واستجوابهم، واستغل كثيرون هذه الهستيريا وتبادل التهم فقد كانت فرصة لا تُعوض للإطاحة بخصومهم.

إن لم تكن معنا فأنت ضدنا

بالنسبة لعامة الشعب فالكثير منهم كان يؤيد حملة المكارثية، وأيدت من كنائس وأحزاب سياسية، أما الشخصيات البارزة فمع كل هذا الصخب من الاتهامات كانوا ينقسمون عدة أقسام: قسم يهربون إلى دول أخرى أو يختفون إعلاميًا، وقسم يتقمص المكارثية ويستثمرها للتخلص من خصومه، وآخرين يتم اتهامهم.

المُتهم مذنب ما لم تُبرئه لجنة مكارثي

كان هدف المكارثية الرئيسي هو مكافحة الشيوعية في المجتمع الأمريكي، وتبنى فكرة أن كثير من المواطنين الأمريكيين شيوعيين ومشكوك في ولاءهم، والكثير من موظفي الأجهزة الحكومية جواسيس؛ ولكن راح كثيرٌ ممن لا ذنب لهم ضحايا للمكارثية، فمنهم من فُصل من عمله ومنهم من اقتيد للتحقيق ووضع تحت المراقبة، ومنهم من زُج به في السجن، كان المشهد أشبه ما يكون بتصفية حسابات وسط ضجة عارمة، والمتهم مذنب ما لم تبرءه لجنة مكارثي، وقد شارك مكتب التحقيق الفدرالي FBI في زيادة الموضوع لهيبًا فقد دعمت المكارثية بنشر وثائق تشير لوجود أعداد كبيرة من الجواسيس في الوظائف الحكومية الحساسة.

سُجن 200 شخص بسبب المكارثية, وقرابة 10،000 شخص طرد من وظيفته بسبب الشك في ولاءهم.

جميعكم عملاء

تطور الأمر لدرجة أنه لفقت تهم لأعضاء وزارة الخارجية الأمريكية، وسياسيين وفنانين ومثقفين، وضباط في الجيش الأمريكي، ووزير الدفاع، ولم يكن الرئيس الأمريكي ترومان وحزبه بمنأى عن تلك الاتهامات.

كاريكاتير المكارثية

نشرت الواشنطن بوست في 29 مارس 1950م رسم كاريكاتيري من رسم هيربرت بلوك، يعبر عن حالة هستيريا التشهير الجماعية التي اجتاحت الولايات المتحدة، وقد عبر عن تلك الفوضى باستخدام مصطلح المكارثية نسبة إلى جوزيف مكارثي كونه أيقونة لحملة التشهير.

مصدر الصورة The Washington Post

المكارثية تتقهقر

كانت المكارثية تقود الولايات المتحدة نحو الديكتاتورية لولا وجود عدد من الصحف والشخصيات الذين واجهوها مثل المذيع إدوارد مورو والأديب آرثر ميلر.. وصدر تأنيب رسمي من الكونغرس تجاه جوزيف مكارثي، حينها خفتت أصوات الاتهام مع بداية حملة مضادة للمكارثية.

المكارثية تضاف إلى القواميس

أضيفت المكارثية إلى القواميس الإنجليزية الحديثة وتعني المكارثية: حملة اتهامات بالجاسوسية والعمالة نحو شخص أو مجموعة أشخاص دون وجود دليل.

انتهت حقبة المكارثية في الولايات المتحدة الأمريكية، وما لا يختلف عليه اثنان أن مفهوم المكارثية لم تتوقف بل لا تزال تستخدم بين حين وآخر وتتبناه الجماعات والأحزاب السياسية لشيطنة وتصفية خصومها.

اترك تعليقًا